محمد عبد الله دراز

150

دستور الأخلاق في القرآن

صريحة : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ « 1 » . أيمكن أن نجد تعبيرا أعظم قوة من هذا ؛ لإثبات الضّرورة الّتي يفرض بها الواجب ؟ . . ومع ذلك فلا ينبغي أن يلتبس هذا التّعبير في أذهاننا باستعمالين آخرين لكلمة « الضّرورة » . فإنّ الضّرورة الأخلاقية تفترق في وقت واحد عن « الضّرورة المادية [ La ne ? cessite ? physique ] ، وعن الضّرورة المنطقية [ logique La ne ? cessite ? ] . فللقانون المادي على أجسامنا ضغط نتحمله مكرهين ، دون أن نملك تحاشيه ، وأمّا القانون الأخلاقي فهو بعكس ذلك يفترض حرية الاختيار ، فهو يكلفنا ، ولكنه لا يقهرنا قهرا ماديا . إنّه يدع لنا أوّلا إمكان مراعاته ، أو مخالفته ( ودعك من مقاومته آخر الأمر ) ، وتلك هي القاعدة الأصلية الّتي لا يفتأ القرآن يعلنها ، سواء فيما يتعلق بواجب الإيمان ، أو بواجب الفضيلة العملية ، واقرأ إن شئت هذه الآيات الكريمة : وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً « 2 » . لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ « 3 » . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ « 4 » . أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ « 5 » . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ

--> ( 1 ) الأحزاب : 36 . ( 2 ) النّساء : 80 . ( 3 ) البقرة : 256 . ( 4 ) الغاشية : 22 . ( 5 ) يونس : 99 .